PROTECT YOURSELF with Orgo-Life® QUANTUM TECHNOLOGY
Orgo-Life the new way to the future Advertising by Adpathwayأعادت وثيقة رسمية صادرة عن الأمم المتحدة سنة 1959 تسليط الضوء على ملف الصحراء الشرقية المغربية، من خلال معطى تاريخي شديد الدلالة: المغرب كان يتحرك رسميًا في المحافل الدولية بشأن المنطقة، في وقت كانت الجزائر لا تزال تحت الاستعمار الفرنسي، أي قبل استقلالها بثلاث سنوات.

فالوثيقة الأممية رقم A/4183، المؤرخة في 14 غشت 1959، توثق لطلب تقدمت به الحكومة المغربية إلى الأمين العام للأمم المتحدة لإدراج قضية "التجارب النووية الفرنسية في الصحراء" ضمن جدول أعمال الجمعية العامة. وقد وقع الطلب عبد الله إبراهيم، رئيس المجلس ووزير الخارجية المغربي آنذاك.
وتكمن أهمية الوثيقة في توقيتها؛ فهي تعود إلى 13 غشت 1959، أي قبل أول تفجير نووي فرنسي في رقان يوم 13 فبراير 1960، وقبل استقلال الجزائر سنة 1962. والأهم أن النقاش الأممي الذي أعقب ذلك أظهر أن المغرب كان يتعامل مع منطقة التجارب الفرنسية باعتبارها قضية تمس محيطه وأمنه ومصالحه، وليس باعتبارها قضية تخص دولة جزائرية مستقلة لم تكن موجودة أصلًا في ذلك التاريخ.
لكن لفهم دلالة هذه الوثيقة، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء.
فحدود المغرب مع الجزائر لم تكن منذ البداية خطًا واضحًا وثابتًا بالشكل الذي نعرفه اليوم. فقد جاء معاهدة لالة مغنية سنة 1845 لتنظيم جزء من الحدود المغربية الجزائرية، بينما ظلت مساحات واسعة جنوبًا محل غموض وترتيبات مختلفة، قبل أن تتدخل فرنسا خلال توسعها الاستعماري لإعادة تنظيم المجال وفرض وقائع جديدة على الأرض. وحتى الدراسات الفرنسية المعاصرة لذلك الزمن كانت تناقش صراحة "الحدود الصحراوية للمغرب" والمطالب المغربية في المنطقة.
ثم جاءت اتفاقيات 1901 و 1902 بين المغرب وفرنسا لتضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الملف. وتظهر وثائق الأمم المتحدة الخاصة باتفاقية ترسيم الحدود المغربية الجزائرية لاحقًا أن اتفاقيتي 1901 و1902، إلى جانب معاهدة لالة مغنية، كانتا من النصوص المرجعية التي استند إليها البلدان عند إعداد ترسيم الحدود في مرحلة لاحقة.
وهنا بالضبط تظهر المفارقة التاريخية: الحدود التي أصبحت لاحقًا حدودًا بين المغرب والجزائر تشكلت في سياق استعماري كانت فيه الجزائر جزءًا من المنظومة الاستعمارية الفرنسية، ولم تكن دولة مستقلة تفاوض المغرب على حدودها السيادية.
والأكثر إثارة أن دراسات ووثائق تاريخية فرنسية تتحدث عن إعادة ترتيب المجال الصحراوي بين المغرب والجزائر الفرنسية، وعن خطوط ومشاريع حدودية ظهرت خلال القرن العشرين، بما يؤكد أن شكل الحدود الجنوبية الشرقية لم يكن معطى جغرافيًا أبديًا، وإنما كان نتاجًا لمسار استعماري طويل ومعقد.
ومن هنا تصبح وثيقة 1959 ذات قيمة مضاعفة؛ فهي لا تظهر في فراغ، بل تأتي في مرحلة كان المغرب المستقل يحاول فيها إعادة طرح قضايا الحدود التي خلفها الاستعمار، بينما كانت فرنسا لا تزال صاحبة القرار الفعلي في الجزائر.
بل إن الموقف المغربي من القضية لم يكن وليد الخلاف مع الجزائر بعد استقلالها، وهو ما ينسف سردية تقول إن الرباط "اكتشفت" الصحراء الشرقية بعد سنة 1962. الوثيقة الأممية تثبت أن المغرب كان يتحرك دوليًا قبل استقلال الجزائر، وفي مواجهة فرنسا تحديدًا.
وبعد استقلال الجزائر، تحولت المسألة إلى نزاع حدودي مباشر بين دولتين مستقلتين، قبل أن تتطور إلى مواجهات مسلحة سنة 1963، ثم إلى مسار تفاوضي انتهى لاحقًا باتفاقية ترسيم الحدود المغربية الجزائرية. وهذه الاتفاقية نفسها تعود في ديباجتها إلى معاهدة لالة مغنية واتفاقيتي 1901 و 1902 باعتبارها نصوصًا سابقة ذات صلة بالحدود.
وهذا المعطى مهم للغاية، لأنه يعني أن سؤال الحدود لم يكن مجرد خلاف ظهر فجأة بين الرباط والجزائر بعد الاستقلال، وإنما كان إرثًا استعماريًا سابقًا على قيام الدولة الجزائرية.
أما وثيقة الأمم المتحدة الجديدة، فتضيف حلقة قوية إلى هذه السلسلة: سنة 1959، كان المغرب دولة مستقلة، وكان يتحرك باسم حكومته أمام الأمم المتحدة بشأن الصحراء والتجارب الفرنسية، بينما كانت الجزائر لا تزال تحت السيادة الفرنسية.
لذلك، فإن النقاش حول الصحراء الشرقية المغربية لا ينبغي أن يبدأ من سنة 1962، ولا من حرب الرمال سنة 1963، ولا من الخرائط التي استقرت بعد الاستعمار فقط؛ بل ينبغي أن يعود إلى ما قبل ذلك بكثير: إلى كيفية رسم فرنسا للحدود، وإلى المناطق التي أُلحقت بالجزائر الفرنسية، وإلى المواقف المغربية الموثقة قبل استقلال الجزائر.
وثيقة A/4183 تقدم حجة تاريخية لا يمكن تجاهلها: المغرب كان حاضرًا في الملف قبل استقلال الجزائر، وكان يتحرك دوليًا بشأن الصحراء في وقت كانت فرنسا هي صاحبة السلطة على الجزائر.
وهنا تكمن قوة الوثيقة: إنها تعيد عقارب الساعة إلى ما قبل 1962، وتفرض على الباحث في ملف الصحراء الشرقية أن يسأل أولًا: من رسم الحدود؟ ومتى؟ وتحت أي سلطة؟ وماذا كان موقف المغرب قبل أن تتحول تلك الحدود الاستعمارية إلى حدود بين دولتين مستقلتين؟
فالحدود التي تركها الاستعمار ليست بالضرورة شهادة على التاريخ الذي سبق الاستعمار، والوثائق التي تظهر اليوم من أرشيف الأمم المتحدة تفتح الباب مجددًا أمام قراءة ملف الصحراء الشرقية المغربية من جذوره، لا من نتائجه فقط.


3 hours ago
2





















English (US) ·
French (CA) ·
French (FR) ·